محمد الغزالي
39
فقه السيرة ( الغزالي )
علماء النفس والتربية اجتمع ليسوق للعالم مثل هذا الأدب لعجز ، والأخلاق شعبة واحدة من رسالة محمد عليه الصلاة والسلام الضخمة ، إلا أنّ الاشتغال بالسنّة مع هذا - يجب أن يحظر على من لم يستجمع الشروط التي تجعل مثل هذا الاشتغال مفيدا للإسلام والمسلمين . 1 - فلا يجوز أن يشتغل بالسنّة من لم يدرس علوم القران ، ويضرب فيها بسهم وافر ، فإن القران هو الدستور الأصيل للإسلام ، وهو الذي يحدّد للمسلم بدقة تامة واجباته وحقوقه ، ويرتّب التكاليف المنوطة به ، ويوزّع العبادات على حياته ، فلا تطغى عبادة على أخرى ، ولا تطغى كلها على عمله للحياة ومكانه فيها ، والمرء الذي يعجز عن تحصيل هذه الحقائق من القران لن يعوضه عن فقدانها شيء اخر ، والصورة التي تستقر في نفسه للإسلام - من غير القران - تضطرب فيها النّسب والألوان ، وربما لحقها اختلاف كبير . ولذلك حرص أئمة الصّحابة على أن يخلوا الطريق للقران الكريم ليحتلّ مكانته الأولى في القلوب ، وحرصوا على ألّا يزاحمه في موضع الصّدارة شيء . روى ابن عبد البر في كتابه ( جامع العلم وفضله ) بأسانيده التي ذكرها ، قال : عن جابر بن « 1 » عبد اللّه بن يسار قال : سمعت عليّا يقول : أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه ، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم . وعن الزهري عن عروة « 2 » : أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أراد أن يكتب السنن ، فاستفتى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك ، فأشاروا عليه بأن يكتبها ، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهرا ، ثم أصبح يوما ، وقد عزم اللّه له ، فقال : « إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب اللّه ، وإني - واللّه - لا أشوب - وفي رواية : لا أنسي - كتاب اللّه بشيء أبدا » .
--> ( 1 ) كذا هو في ( جامع بيان العلم ) : 1 / 62 ، وهو خطأ من الناسخ أو الطابع ، ومثله فيه كثير ! والصواب : « عن جابر ، عن عبد اللّه بن يسار » ، وجابر هذا - هو الجعفي - هو ضعيف جدا ، وقد كذبه الجوزجاني وغيره . ( 2 ) عروة : هو ابن الزبير ، لم يسمع من عمر بل لم يدركه ، فهذا الأثر منقطع ضعيف ، كذلك رواه الخطيب في ( تقييد العلم ) ، ص 49 - 51 ، من طرق عن عروة . اللهم إلا رواية راشد عن الزهري ، فإنه وصله بذكر عبد اللّه بن عمر بين عروة وعمر ، وهي شاذة كما أشار إلى ذلك الخطيب نفسه .